محمد أبو زهرة

1954

زهرة التفاسير

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً « إن » هنا النافية ، والمعنى ما من أحد من أهل الكتاب اليهود أو النصارى ، أو بعبارة أدق الذين يسمون أنفسهم نصارى أو مسيحيين إلا ليؤمنن به حق الإيمان ، ويخضعون حق الخضوع قبل موته - عليه السلام - ، فالضمير في موته يعود إلى المسيح - عليه السلام - ، وهذا يسير على أن عيسى سيعود ، ويحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويؤمن به أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وهناك تخريج آخر ، وهو أن الضمير في ( موته ) يعود إلى أحد المطوية في الكلام ومقدرة ، والمعنى ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى عند موت أي كتابي ؛ لأنه عند حشرجة الموت يتنبه الشخص لما أنكر وجحد ، فيؤمن ، كما كانت حال فرعون إذ قال عندما أدركه الغرق : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل . وإن عيسى - عليه السلام - سيكون شهيدا بالحق يوم الحق يشهد على اليهود بما كفروا به ، ويشهد على الذين يقولون إنهم نصارى ، وأنهم كفروا به فادعوا أنه إله أو ابن الله ، وأن كلامهم في هذا باطل ، وأنه عبد الله ورسوله . وهنا نريد أن نشير إلى موقف الإسلام ، ومن يقولون أنهم نصارى - من المسيح عليه السلام : هم يقولون أنه قتل وصلب ليطهر الخليقة من ذنب أبيهم آدم ، وأن الله اختار ابنه ليكون فداء ، وأما الإسلام فإنه يقول أن الله نجاه ، ورفعه إلى المنازل العليا . ولا نريد أن نقول إنهم يرمون الله تعالى بالجهل إذ سكت أزمانا طويلة - حتى بدا له أن يجعل ابنه فداء ، ولا نريد أن نقول إن العنصر الإلهى كيف حل في مريم البتول ، ولا نريد أن نقول إن الله عفا عن آدم ، وإن لم يعف فإن العقاب يكون عليه ولا يكون على غيره ، لا نريد أن نقول إن هذا كله مخالف لكل معقول ، ولكن نقول كيف يتصور أن يكون الفداء للخليقة بإنزال ابنه إلى الأرض ليقتله بعض ذرية آدم الذي عصى ؟ ! ! إن المعقول أن يكونوا قد أضافوا إلى قولهم جريمة أخرى هي قتل ابن الله بل إنها جريمة أشد وأنكى ، وإذا قيل لهم ذلك